أخبار الوطناتصل بنا الرئيسية

12/06/2010

 

نعيماً مقدماً.. في حمّامات دمشق.. غضّ البصر من أخلاقيّات المهنة 

 

 

‮تقول الحكاية، إنَّ بعض النساء خرجن من حمَّام السوق عاريات، إذ غلبت لديهن غريزة حب الحياة، فيما احترقت أجساد اللواتي آثرن أن تلتهم النار، وليس عيون أهل الحارة، أنوثتهن وشرفهن. وحين سأل صاحب الحمام، مَن مات في الحريق؟، أجابت إحدى الناجيات: اللي استحوا ماتوا.
حتى وقت قريب، ذهبت حادثة حريق الحمام في تلك الليلة مضرب مثل.. وانضمت بذلك إلى كومة الأمثال والعبر المأخوذة من حوادث الحمام والمستخلصة من طقوسه، ..


فكما يقول المثل ضاعت الطاسة للدلالة على التشتت والضياع بشأن أمر ما، فإن مثل الحمام المقطوعة ميته يصحُّ قوله حيث توجد الفوضى وقلة التنظيم

نعيم الدنيا الحمام
لمّا اشتهرت دمشق بتحكم نهر بردى في مدينتها وتسليط فروعه على جميع نواحيها، تشجَّع أهلها على بناء الحمامات التي استدعى توافرها وتنافسها فيما بعد، انتعاش صناعة الصابون والعطور، فضلاً عن ارتفاع جودة الخدمة؛ إذ أدرك كل حمَّامي دمشقي أن تلميع الزبون وتنظيفه إنما يبدأ من سمعة حمامه ونظافة العاملين فيه. حتى أصبحت ليست أماكن استحمام فحسب، بل ومطارح تنزه وترفيه ونواد رياضية ومجمّعات لتبادل الأحاديث والثرثرة. لقد صرف الدمشقيون الكثير من ساعاتهم في الحمام، إذ رفعوه من مقام العادات والواجبات المحمودة إلى مقام النعمة الدنيوية التي تداني نعم الآخرة.. حيث يزيل الإنسان فيها الأوهام عن ذهنه، تماماً كما يزيل الأوساخ عن بدنه، لتتنقى روحه ويتطهر جسده في جو استرخاء شرقي، وحميمي بين أهل الحارة، ولذلك حازت عمارة الحمامات (مطرح الاستمتاع بنعيم الدنيا) اهتماماً كبيراً منهم، فبلَّطوا أرضها بالرخام وأقاموا بحيرات تتشامخ فيها نوافير المياه على أشكال بديعة تتراقص مع نظام بنائها على عدة غرف لكلٍّ منها وظيفة خاصة، ومسمّى مشتق من تلك الوظيفة؛ ففي البداية غرف خلع الملابس والراحة، تعرف بالمشلح، وهي تتَّصل بالقسم الأوسط من الحمام، ثم هناك غرف انتقالية خالية من أيِّ وسيلة للتسخين، ولكن جوَّها يعتمد في تدفئته على القسم الساخن المجاور، وتعرف بالوسطاني البراني، وأخيراً توجد غرفة ساخنة فيها حمام البخار وتعرف بـالجواني، وهي مزوَّدة بعدد من الفجوات تعرف بالمقصورات، حيث توجد مصاطب من الحجر تستعمل لأوجه الرعاية التي يقوم بها طاقم العاملين للمستحمِّين.

روتين اجتماعي
كان الحمام والجامع والسوق نواة رئيسية لنشأة أيِّ مدينة إسلامية، أما الحمام الدمشقي أو حمام السوق، فشكَّل جزءاً مهماً من الروتين الاجتماعي للدمشقيين، وبالأخص في ما يتعلَّق بتقاليد الزواج؛ حيث كان حمام النساء ميداناً مؤهلاً لمعاينة العروس والتأكد من جمالها وصحتها، كما يقصد المحتفلون من الرجال والنساء حماماتهم الخاصة للاحتفال بالعروس والعريس بمناسبة زواجهما قبل أن يتم الزواج، وكذلك بعد الزواج بأسبوعين بدعوة من أم العروس ويسمى حمام الغمرة وهناك ما يعرف بحمام النفاس والأربعين وكلها مناسبات تتصل بقيم اجتماعية متوارثة، وتعبّر عن البهجة والاحتفال، ومن ذلك أن يقصده المريض فيكون إعلاناً لشفائه فيقبل المهنئون عليه. وفضلاً عن اجتماعهن ورقصهن وغنائهن، تتخذ حمامات النساء مكاناً للتعارف بينهن وتبادل الأحاديث والأخبار ووضع الغائبات منهن في المقلاة، بل والتباهي أحياناً بالجمال وامتلاك الحلي. يعمل في حمام النساء طاقم كذاك الذي يعمل في حمام الرجال، مع اختلاف في المهام المطلوبة واختلاف في التسمية، فيقابل الريس من الرجال، الأسطة من النساء، وهي تسمية غير عربية ومعناه المصطلح عليه في الشام المجيد والمتقن في صنعته، ومنه اشتقت أسطة الحمام وهي امرأة تغسل رأس النساء المستحمِّات بأجرة مخصوصة بحسب الزبونة وغناها. أما المكيِّس من الرجال، فتقابله البلانة من النساء، وهي من تُخرِج الأوساخ من أبدانهن بواسطة كيس وصابون، باعتبارها صانعة من صنّاع الحمام تخدم المستحمّة بما تحتاج إليه، وتحمل لبعض النساء الموسرات بقج ثيابهن ذهاباً وإياباً.

صبي الحمام..
يقولون إنَّ صبي الحمام صنعة مثل الإكسير وإن كانت ممتهنة فربحها كثير، والعاملون في الحمام، بدءاً من أجير الأرضية مروراً بالناطور والتبع والمكيس، يعتمدون في دخلهم المعاشي على ما يجود به المستحمون من إكراميات لقاء خدمتهم لهم، ولا أجر لهم من صاحب الحمام. وأيضاً العاملون في الحمام مقامات، ودرجات؛ ففي حمام الرجال يقف على الدرجة الأولى من السلم التراتبي لطاقم العمل أجير الأرضية (خادم الزبائن)، ومن ثم يترقى ليصبح تبع فيستقبل الزبون لحظة دخوله الحمّام في القسم البرّاني ويأخذ منه الحوائج الشخصية، ويسلِّمه لـالناطور الذي يقدِّم له حوائج الاستحمام والتعتيبة (بقجة مناشف) والميزار الذي يلفُّه الزبون حول خصره. قبل أن يتوجَّه إلى القسم الوسطاني متجرداً من كلِّ ملابسه، ليبدأ بالاستحمام في واحد من أجران القسم الجواني بمفرده أو بمساعدة المكيّس.

غض البصر.. حلاوة اللسان
نظر الدمشقيون في الاعتبار إلى الوظيفة الدينية والاجتماعية للحمامات، ووضعوا ضوابط وقواعد على العاملين فيها، تضمن سلامة وراحة المرتادين إليها، فنجد المكيّس أو الريّس حذق في تلييف وتفريك الزبائن الكسالى بالماء والصابون، ويغضُّ طرفه ويخشِّن كفّه عن وعلى أجسادهم، بينما الناطور والتبع فيجب عليهما احترام الزبون وعدم مضايقته مهما تثاقل وتغالظ، فالزبون دائماً صاحب حق، وأثقل زبون عياره نصف ساعة. أما المزيّن أو الحلاق، والذي يكمّل عملية التطهير وضروب العناية الخاصة بنعيم الدنيا، فنراه خفيفاً رشيقاً لا يأكل ما يغيِّر نكهته كالبصل والثوم، لئلا يتضرَّر الزبون برائحة فمه عند الحلاقة ورواية الحكايات.

مجرد ذكريات
كلنا يغنّي في الحمام وتصيبه حالة بهجة وسعادة، وفي حمام السوق عرف الدمشقيون نعيم الدنيا، ولبسوا القبقاب والمئزر، وأكلوا الزيت والزعتر والمجدرة والمخلل، واستعملوا حجر الصوان لتنظيف كعب الرجل، وكيساً من شعر الماعز لتنظيف الجلد وإزالة الوسخ عنهم.
ومع ذلك، طرأت بعض العادات والغرائب على طقوس الحمامات الدمشقية، فهاهي تعرف الساونا والمساج بعد أن طرقت مبتكرات العصر أبوابها ولم يعد أمام أصحابها من خيار للبقاء في عزلة التمسك بالقديم والموروث. وحتى الاختلاط بين الرجال والنساء في الحمام لم يكن ليقبله الدمشقيون الأجداد، ولكن الوفود السياحية الأجنبية التي تزور هذه الحمامات بشكل مجموعات للاستمتاع بطابعها الأثري وبخصوصية عمارتها وبنمط التحمم فيها، أعطت للدمشقيين الأحفاد التبرير بوجود حمامات مختلطة.



في قصة الحضارة، يشير وول ديورانت، إلى تأثُّر أوروبا بعمارة الحمامات العربية وهندستها. ويقال أنَّ بلاد الرافدين أول من عرف الحمامات على بدائيتها، وفُسّرت نشأة الحمامات قديماً بأبنية النظافة والصحة العامة المرافقة للتطور الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته المدن، وجاءت تسميته بالحمّام من فعل الاستحمام بالماء الحار الحميم، وتذكر بعض المراجع التاريخية أنَّ الحمام الشعبي الدمشقي ومثيله التركي، هما سليلا الحمام اليوناني الذي بدأ استغلاله على نطاق واسع في الأحياء الشعبية اليونانية مند قرون، لعبت الحمامات أدواراً سوسيوثقافية وإلى جانب استعمالها كأماكن للراحة والاسترخاء، كانت أماكن تثقيف بما تضمَّنته بين جنباتها من مكتبات ومسارح ومطاعم..

المصدر:صحيفة بلدنا السورية - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري