أخبار الوطن الرئيسية

14/02/2011

 

"هزّة عصا" أميركية للبنان وسوريا ؟

سركيس نعوم

 

يعتبر أحد "أركان" فريق 14 آذار ان "للقرار الاتهامي" الذي أصدرته وزارة الخزانة الأميركية في حق "البنك اللبناني الكندي" قبل ايام، والذي اعتبره مبيّضاً للأموال، ومتعاملاً مع "حزب الله" الموضوع على لائحة الارهاب الأميركية، يعتبر ان للقرار المذكور شقاً غير مصرفي يتعلق بالتطورات السياسية التي يشهدها لبنان أخيراً والتي كان أبرزها الانقلاب الدستوري الذي نفذه فريق 8 آذار بزعامة "حزب الله" ودعم سوريا وايران والذي أدى الى استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، والى ترشيح الغالبية الجديدة الرئيس نجيب ميقاتي القريب من سوريا كما من جهات أخرى مهمة تأليف حكومة جديدة.
فالقرار المذكور اعلاه هو، في نظر الركن في 14 آذار نفسه، رسالة الى الرئيس المكلف والى الغالبية النيابية الجديدة والى سوريا داعمة الاثنتين والى ايران كما الى اللبنانيين عموماً تفيد ان الولايات المتحدة لن تبقى ساكتة على تحوّل لبنان ساحة معادية لها بالكامل بعد تمتعها بنفوذ مهم فيه منذ قيام ثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال اللتين اخرجتا الجيش السوري من لبنان، واحرجتا حلفاء سوريا من اللبنانيين وإن من دون ان تتسبب باضعافهم. فهي قِبلت "مشاركة" "حزب الله" لها في هذه الساحة وكذلك سوريا وايران، وخصوصاً بعدما تغير ميزان القوى في الداخل اللبناني وعلى نحو جذري في اعقاب حرب اسرائيل على لبنان عام 2006. لكن قبولها هذا كان على مضض. وأحد ابرز دوافعه كان احتفاظ فريق 14 آذار الذي دعمته بشيء من القوة وخصوصاً بعد فوزه بالغالبية النيابية في انتخابات عام 2009، الأمر الذي اقام نوعاً من التوازن بين الفريقين الداخليين، والذي سمح للأميركيين بالاستمرار في ممارسة سياستهم اللبنانية والاقليمية انطلاقاً منه، علماً انه سمح أيضاً للسوريين والايرانيين بممارسة مماثلة. أما الآن فإن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام وضع جديد. فدفع حلفائها اللبنانيين الى المعارضة، واعتزام اخصامها بل اعدائها تسلم السلطة في لبنان بعد تحولهم غالبية نيابية وفي ظل تمتعهم بقوة عسكرية هائلة ودعم مادي كبير، ووجود حافل في غالبية الادارات العامة والمؤسسات المدنية وغير المدنية، فهذا الدفع يعني اضعاف الدور الاميركي في لبنان تمهيداً لالغائه. ويعني أيضاً ضم لبنان وإن على نحو غير رسمي الى محور الممانعة المؤلف رسمياً من سوريا وايران الاسلامية، علماً انه يضم عملياً وواقعياً "العراق الجديد" وامارة "حماس" في غزة. وعلماً ايضاً ان هذا الضم قد يصبح رسمياً لاحقاً، وعندما يستكمل 8 آذار بمساعدة حلفائه الاقليميين عملية السيطرة التامة على البلاد. ويعني اخيراً، ومن منظور اميركي بحت وربما غربي ايضاً، تفاقم الارهاب الذي يستهدف اميركا والغرب وحلفائهما في المنطقة، والذي تتهم واشنطن وعواصم عدة "حزب الله" به، كما تتهمه وراعيته ايران باستعمال جهات اسلامية اصولية سنية معادية للغرب بكل عناوينه في مواجهتها الشرسة معه. وفي حال كهذه يقول الركن نفسه في 14 آذار ان اميركا لن تقف صامتة، ليس لأن لبنان مهم لها استراتيجياً، بل لأنها ترى ان من واجبها حماية مصالحها الحيوية والاستراتيجية. ويكون ذلك بعدم الافساح في المجال امام استقرار حكم 8 آذار بزعامة "حزب الله" له للبنان، وأمام تحوله ساحة عنيفة أو هادئة لمحور سوريا ايران. وبما ان في لبنان ثغرات كثيرة وبما ان فيه من الفضائح الكثير، وفيه من الارتكابات الكثير، ومن المافيات الكثير، من الثروات الضخمة غير "الشرعية" الكثير، ومن التورط في عمليات مشبوهة وغير قانونية الكثير، ومن الاغطية لعمليات خارجية مشبوهة الكثير، فإن اميركا تستطيع دائماً ان تختار، اذا فُرِضت عليها المواجهة، من كل ذلك الملف الذي يمكن ان يُهدِّد الاستقرار اللبناني المصرفي او الأمني او الاقتصادي أو الاجتماعي، وتالياً يمكنها ان تفضحه على الملأ. وبدلاً من ان يصبح لبنان عبئاً على اميركا بتحوله ساحة صافية لأعدائها في المنطقة، فإنه يصبح عبئاً على اهله أولاً وتحديداً على حكامه الجدد، وعلى سوريا ثانياً كونها جارته وراعيته والساعية من دون كلل الى استعادة النفوذ فيه كاملاً أي على حلفائها وأعدائها في وقت واحد.
طبعاً لا يعني ذلك اننا وفي هذا "الموقف" نتبنى اتهام وزارة الخزانة الاميركية لـ"البنك اللبناني الكندي" الذي "برّأه" مصرف لبنان رسمياً منه يوم الجمعة الماضي. ولا يعني ايضاً ان اميركا وبعد تحقيق "يتعاون" فيه اصحاب المصرف معها لن تسحب هذا الاتهام. لكنه يعني ان اميركا "هزّت العصا" للبنان... وانها قد تهزها مرّات ومرات كما انها قد تضرب بها. واذا فرط الوضع المصرفي السليم لا سمح الله اين تصبح البلاد؟
"هزّة العصا"الاميركية هذه لمن هي موجهة؟
الى اللبنانيين في صورة رسمية. لكنها عملياً موجهة الى سوريا. ذلك ان الاولين وعلى أهميتهم وقواتهم المتنوعة غير قادرين على الحسم في الداخل الا بمساهمة من الخارج وهو هنا سوريا. فهل لها مصلحة في تدهور اقتصاد لبنان وفي انهيار نظامه المصرفي هي التي تستعمل الاثنين وتعتمد عليهما في امور كثيرة؟ طبعاً الجواب عندها. لكن اذا كان ايجابياً اي اذا كان لها مصلحة في ذلك فإنها تضغط في اتجاه حسم الأزمة الحكومية بتأليف حكومة 8 آذار برئاسة نجيب ميقاتي أو غيره، أو باقامة وضع جديد في لبنان استناداً الى القوة المعروفة. اما اذا كان جوابها سلبياً، أي اذا كان تدهور لبنان مصرفياً واقتصادياً واجتماعياً يؤذيها، فإنها تستغل الازمة الحكومية بغية اقامة حكومة مشابهة الى حد كبير، وإن مع تعديلات، للحكومة التي "استُقيلت". وبذلك تضمن أمرين. الأول، احجام اميركا عن "الدق" المباشر بلبنان وبها عبره. والثاني، اعتراف الجميع في لبنان من حلفاء وأخصام بنفوذها فيه واقتناعهم بما آمنت به وما عملت له وهو ان لا يكون لها شريك فيه.
طبعاً لا أحد يعرف الموقف الذي ستختاره سوريا في نهاية الأمر. لكنها تبقى ورغم مبدئية تحالفها مع ايران واستراتيجيته، واقعية وبراغماتية، اي تبقى مستعدة لأخذ "النصائح" او حتى "ضغوط" المحبين في الاعتبار سواء في الموضوع اللبناني أو غيره. والمعلومات المتوافرة تفيد ان نصائح من هذا النوع قد تلقتها سوريا من تركيا أردوغان ومن دولة قطر.

المصدر :صحيفة االنهار اللبنانية - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري