أخبار الوطناتصل بنا الرئيسية

16/08/2010

 

سور مدينة دمشق يصارع المخالفات والتعديات.. ولا أحد يحميه!

 

 

على الرغم من أنَّ دمشق تعتبر واحدة من أهم المدن المسورة في العالم، فإنَّ ذلك لم يشفع لسورها عند الجهات المسؤولة، التي لم تراعِ مكانته الحضارية كما ينبغي؛ فالمخالفات والتشوهات تنهش بنيانه ومن كل الجهات، ما دفع ببعض الخبراء إلى قرع أجراس الإنذار، معلنين عدم قدرة السور الأثري على الصمود طويلاً إذا استمرَّ الوضع على حاله.

كما هو حال سور دمشق، كانت حال وجهات نظر الجهات المسؤولة عنه، والمتمثلة بمحافظة دمشق ومديرية دمشق القديمة، لتدلَّ على انعدام التنسيق فيما بينها، حيث اختلفت في البداية رؤية المحافظة للمخالفات الموجودة على السور عن رؤية مديرية دمشق القديمة.
مهنا جبارة (عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق) يوجّه سهام اتهامه إلى مديرية دمشق القديمة، مؤكداً أنَّ «سور دمشق جزء من تاريخها العريق، وترميمه هو أقل واجب تجاهه». ويتابع: «مما لا شكَّ فيه أنَّ هناك تعديات على السور وعلى الآثار الموجودة هناك من قبل السكان، وأيضاً من قبل مديرية دمشق القديمة التي تتراخى معهم، ولا تتعامل مع هذه التعديات بالجدية المطلوبة. فالسور صرح تاريخي لا يأخذ حقه من الاهتمام، وخاصة الجزء المتصل بباب توما، وذلك بعدما كان يسمح للبائعين المتجولين بعرض بضاعتهم عليه». أما رؤية مديرية دمشق القديمة لحال سور دمشق فهي أكثر تفاؤلاً؛ حيث دافع أمجد الرز (مدير دمشق القديمة) عن التعديات الموجودة على السور: «في الغالب تعود إلى ما قبل العام 1948، وهي بالتالي بحكم المرخصة»، وعندما أشرنا إلى وجود مكيفات هواء مركبة على السور، بيّن الرز أنَّ «هذه المخالفات البسيطة ستتمّ إزالتها خلال ترميم السور».
ووفقاً لأمجد الرز، فإنَّ مديرية دمشق القديمة لم تكتفِ بتوظيف مراقب يومي بدوام نصفي لحماية السور مهمته اقتلاع المخالفات الحديثة، بل إنها تمتلك خططاً مستقبلية قريبة.. في حين مهنا جبارة أكَّد أنه تبيَّن له بعد الرجوع إلى المحافظة عدم وجود أيّ خطط أو مشاريع لإعادة تأهيل السور.
وبين هذا وذاك «ضاعت الطاسة»؛ يقول أمجد الرز: «مؤخراً رمّمنا جزءاً من السور. وهذا العام قدمت إدارة آثار مدينة دمشق دراسة لاستكمال الترميم.. إلا أنَّ الدراسة كانت ناقصة وبحاجة إلى مراجعة. وبعد استكمالها ستنفّذها مديرية دمشق القديمة»، مشيراً إلى أنَّ «الترميم يشمل بالتأكيد إزالة كل أشكال المخالفات»، أما جبارة فهو ينفي وجود أيّ خطط مستقبيلة، قائلاً: «بعد الرجوع إلى المحافظة، تبيّن عدم وجود أيّ مشاريع تشمل السور ضمن المخططات القريبة». في حين يصرّح خبير الآثار الدكتور موفق دغمان بأنه «كان قد اطلع على خطط واسعة لدى المحافظة لترميم سور دمشق». وعن مشاريع المحافظة يقول دغمان: «هناك خطط لكشف السور في عدة أجزاء من المدينة. وهذا ما بدأت به المحافظة من باب كيسان حتى دوار المطار، وصولاً إلى شارع الأمين. والخطة المستقبلية لكشف السور من باب الصغير حتى باب الجابية». لكن المسألة، وفقاً للدكتور دغمان، تحتاج إلى بعد نظر تاريخي. ويتابع شارحاً ذلك: «قبل تطبيق أيّ خطة، لابدَّ من الأخذ في الاعتبار أنه لا يجوز التعامل مع السور على أنه مجرد جدار، بل هو سور تاريخي كان يحيط بالمدينة، وأيضاً لابدَّ من وجود خطة توثيق هندسي للمدينة تحصي عدد البيوت الموجودة ونوعية المخالفات، إضافة إلى مواد البنى التحتية للسور».
وعلى اعتبار أنَّ كل مسؤول أو خبير حرّ في إبداء رأيه، فإنه لا يسعنا إلا أن ندعو الله أن يمنحنا قدرة على التركيز أكثر، لعلَّ وعسى نستطيع فهم التناقض ما بين المحافظة والمديرية، أو أن يمدّ في عمرنا لنكتشف أيهما كان كلامه أكثر دقة.

¶ سور دمشق.. يشكو من أنابيب الصرف الصحي
تجد مديرية دمشق القديمة أنَّ المشكلة الأساسية التي يعاني منها السور هي أنابيب الصرف الصحي المدارة عليه. وعن سبب عدم إزالة هذه الأنابيب، قال الرز: «نحن لم نزل أنابيب الصرف الصحي المدارة على السور، لأنه لا يوجد حالياً أمامنا حلّ الآخر؛ لأنَّ الصرف الصحي في دمشق القديمة مازال مرتبطاً ببعضه، وفقاً للنظام الروماني الذي كان يصبّ في نهر بردى. ونحن نعمل على تطويره، لكن ذلك يتمّ على مراحل. وحالياً نعمل على إيصال شبكة الصرف الصحي في دمشق القديمة بقنوات الصرف الصحي الحديث في عدرا». وأضاف الرز: «مصبات المدينة القديمة الموجودة في باب شرقي ونهاية شارع الأمين وباب الجابية وشارع الملك فيصل وساحة باب توما، سيتمّ العمل على تطويرها، وذلك استكمالاً لمصبات مدحت باشا التي ألحقت بالصرف الصحي الحديث».
ويتابع الرز، مبيّناً عجز المديرية عن إيجاد حلّ لمعاناة السور مع أنابيب الصرف الصحي: «عندما نؤمن شبكة صرف صحي حديث، نستطيع نزع الأنابيب الحالية التي مدّها السكان على السور. أما الآن، فلا شبكة صرف صحي بديلة».
ولكن «الرز» بشَّرنا بأن «خطة المديرية للصرف الصحي سيرافقها مشاريع لشبكة المياه والكهرباء والبنية التحتية كلها. والمسألة بحاجة إلى تعاون من قبل المواطنين».

تعدي السكان يرافقه تراخي السلطات
من خلال حكاية (رواها لنا خبير الآثار الدكتور موفق الدغمان) فسَّر سبب أهمية حماية سور باب شرقي، وأكد على ضرورة تعاون السكان المقيمين عليه، لاسيما أنَّ لهذه البيوت المقامة على السور قيمة تاريخية غاية في الأهمية. وبحسب الدغمان، فإن «المدينة في العهد البيزنطي توسّعت واكتظت بالسكان، ما دفع السكان إلى إقامة بيوت على الجانب الداخلي للسور. وأغلب الظنّ أنَّ بولس الرسول عندما بشّر بالمسيحية تمَّ تهريبه سراً من داخل المدينة، من خلال أحد تلك البيوت. لذلك فإنَّ هذه البيوت الموجودة اليوم على حدود السور، تحمل قيمة تاريخية، وهي بالتالي ليست ضمن المخالفات. ولذلك لابدَّ من التمييز بين الأبنية التي تحمل أوصافاً تاريخية وتعتبر (بالضرورة) جزءاً من مكونات السور، وبين المخالفات التي نشأت في ظلّ غياب السلطة الأثرية».
ويضيف دغمان: «السور يعاني من تعديات بمواد حديثة بنيت عليه، وهي بحاجة إلى إزالة، لأنها تسيء للسور من ناحية الشكل، وأيضاً حمولتها تؤثر على قدرة السور على الصمود».
ويرمي مهنا جبارة جزءاً كبيراً من مسؤولية المخالفات على تهاون وعدم جدية الجهات المسؤولة عن إزالتها، والمتمثلة بمديرية دمشق القديمة، قائلاً: «التعدي لا يقتصر على السكان، بل أيضاً على بعض المطاعم. فأحد المطاعم دهن السور باللون الأحمر دون أيّ محاسبة، على الرغم من أنَّ هذا المطعم هو في الأصل جزء من السور، فكان من المفترض أن يكون شكله متناسباً مع نسيج السور المعماري. ومن التعديات وجود خزان مياه أمام السور، وإهمال حديقة السور. وهذه المظاهر تدلّ على تراخي مديرية دمشق القديمة عن حماية السور. ناهيك عن قرب مكبّ القمامة من السور، ما أدّى إلى تلويث المنظر العام للسور، وفقدان قيمته الأثرية، من خلال التلاعب بشكله وألوانه».


حكاية مع الإهمال
يحيط بالسور حديقة، أو بالأحرى مساحة تشبه الحديقة، أُلقي فيها مؤخراً الكثير من القطع الأثرية بطريقة عشوائية مستفزة. عن هذه الحديقة حدَّثنا أمجد الرز: «مسؤولية حديقة السور من اختصاص مديرية الحدائق، لكننا نشرف عليها، وسنعمل خلال الخطط المستقبلية على تجميلها، وسنعرض الآثار الموجودة فيها بطريقة جمالية وصحية في ذات الوقت».
ويضيف الرز: «أنا أريد عرض الآثار بأسلوب أوروبي يراعي الناحية الجمالية، في حين مديرية الآثار تسعى إلى مراعاة المعايير الدقيقة لحمايتها. والآن يوجد توجّه للتعاون مع الفنان مصطفى علي للعمل على تجميل السور. كما يوجد اهتمام مباشر من السيد المحافظ بالحدائق، وسيتمّ بناء رصيف حول السور لحمايته من المياه،». حديث أمجد الرز حول مراعاة المعايير في عرض هذه القطع الأثرية أثار استغرابنا؛ لأنَّ هذه القطع الأثرية كانت أعمدة رومانية تمَّ العثور عليها مؤخراً في مدحت باشا. وبعد إلقائها في ساحة البطيخ وتكسرها، تحوّلت إلى بقايا أعمدة، حيث تمَّ إلقاؤها حول السور.. فكيف تتحدّث المديرية عن معايير صحية في العرض؟!. وعندما نقلنا استغرابنا إلى الرز، قال: «هذه الآثار صمدت منذ 5 آلاف سنة قبل الميلاد، فلابدَّ أن تصمد الآن، كما أنَّ مؤسسة الإنشاءات العسكرية هي التي وضعتها حول السور وحمايتها ليست من اختصاصنا». ولنعود من جديد إلى إلقاء المسؤولية بين الجهات المعنية، وكأنَّ ما يهمّ المواطن هو سماع الحجج وليس الفعل الحقيقي، لتصبح الآثار كمن يستغيث من الرمضاء بالنار!..


أفكار في صندوق الاقتراحات الذي نخشى ألا يُفتح
قدَّم كلّ من الدكتور موفق دغمان وعضو مكتب المحافظة التنفيذي مهنا جبارة اقتراحات لإعادة رونق السور وحمايته. فدغمان أشار إلى ضرورة إيجاد فرق مختصة تكون قادرة على تحديد مشاكل السور ، وإلى الاعتماد على تكنولوجيا جديدة (سواء في عمليات التوثيق التاريخي للسور أم ترميمه) وأيضاً إلى ضرورة إصلاح العمليات الإنشائية الموجودة فيه والتي نشأت بسبب الظروف، والعوامل الزمنية. ويضيف: «لابدَّ من وجود تعاون بين الجهات المسؤولة، للقيام بمشروع إعادة تأهيل السور. فخطط المحافظة لا تستطيع القيام بشيء طالما أنها تصفق وحدها، وهي بحاجة إلى تكاتف الجهات الأثرية والأكاديمية، ورؤية واضحة لكيفية التعامل مع هذا السور». وتتجسّد الاقتراحات، التي قدَّمها مهنا جبارة، بتقديم قروض ميسرة للأهالي القاطنين على السور لإزالة تعدياتهم، ولتجميل البيوت خاصة تلك البيوت المطلة على السور... فالأمر، وفقاً لجبارة، بحاجة إلى تعاون بين المحافظة والأهالي، ومديرية الآثار.

المضحك المبكي
* بات وجود سلم مصنوع على الطريقة الإغريقية، على السور من جهة باب شرقي، أحد أشهر المخالفات الطريفة. فأحد سكان السور وجد في هذا السلم وسيلة نقل سريعة توصله إلى منزله. وكانت مديرية دمشق القديمة قد صادرت هذا السلم 3 مرات، وفقاً للرز، الذي أكد أنَّ المواطن يعيد مده يومياً بعد الساعة الرابعة بعد الظهر، أي عندما ينتهي دوام مراقب السور.
وكأنَّ المخالفات تصبح مسموحة بعد الرابعة على سور دمشق!.
* بيَّن دغمان أنَّ أحد الطلاب السوريين قدَّم رسالة دكتوراه في «جامعة روما الأولى» في إيطاليا عن سور دمشق، فلاقت رسالته اهتماماً استثنائياً من قبل جامعة روما الأولى، لأنَّ موضوعها سور دمشق.. إلا أنَّ الجهات المسؤولة عنه لا تتعامل بطريقة مدروسة بدايةً من أبسط الأمور. فعلى سبيل المثال، يتمّ التنظيف بطريقة الرمل المؤذية للحجارة.



شُيّد السور في العصر الآرامي، وجُدّد في العهد اليوناني ثم الروماني خلال القرن 2 للميلاد، ثم توسع في العهد الأموي، وأعيد بناء أجزاء منه على يد العباسيين.
حالياً يبلغ محيط السور 4500م تقريباً، وطوله 1500م.

المصدر:صحيفة بلدنا السورية   - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري