أخبار الوطن الرئيسية

25/05/2011

 

المنطقة الشرقية.. منسية تعيش على الفقر والوعود!

 

 

 نهاية الأسبوع الفائت كنت في زيارة عمل للمنطقة الشرقية، ودون أي قصد في توقيت الرحلة المحجوزة مسبقاً للسفر وصلت إلى ربوع ديرالزور والفرات الخالد في الساعات الأولى من الصباح الباكر عند أول الفجر، أي ساعات الهدوء حيث مايزال جميع السكان تلاميذ وطلاباً وعمالاً وموظفين في بيوتهم، فكم كانت الصدمة كبيرة.. مدينة بكاملها تشع منها رائحة الفقر والحرمان من كل جهة، من الشوارع والأرصفة والبيوت، وحتى نهر الفرات الذي تغزل به الشعراء والأدباء بدا حزيناً كئيباً في أيام ربيعه.

صديقي وأخي الذي كان يشاركني المقعد في البولمان قال فور رؤيته للمدينة: هل يعقل أن تعيش مدينة فيها نهر بهذا الجمال الخلاب في هذا الفقر المدقع؟ لو أن هذا النهر في أية مدينة من العالم سواء الثالث أو الرابع أو الخامس لكانت أعظم وأجمل مدينة سياحية، ولكان سكانها من أغنى السكان بالاعتماد على السياحة فقط.

فهل الحكومات العتيدة وأصحاب المعالي الذين وضعوا خططاً ومشاريع لتنمية المنطقة الشرقية درسوا في يوم من الأيام مشكلة الفقر في هذه المدينة وحددوا معنىً للفقر أو تعريفاً له؟

تقول ‎الأرقام الرسمية ان معدل الفقر في سورية خلال الأعوام العشرة الماضية من الإصلاح قارب 30%، وهذا يعني أن ثلث السوريين عند خط الفقر أو دونه، وهي نسبة كبيرة تتجاوز تأثيراتها الجانب الاقتصادي لتترك تأثيراتها السلبية في الجوانب السياسية والاجتماعية، وبالتالي فليس معقولاً أن نضع الحق كله فيما يجري على الأيدي الخارجية التي تفرز سياسات من شأنها إفقار البلد والشعب عبر نهب الموارد وقدرات الدولة المادية والبشرية، كان يمكن وضمن الناتج النهائي لهذه الأسباب أن تغلق أبواب يمكن من خلالها الخروج من إسار الفقر، أو على الأقل تخفيف حضوره في حياة السوريين وفي هذه المحافظة على وجه الخصوص.

إن السياسات الحكومية التي جرى تطبيقها طيلة السنوات الماضية، وأدت إلى مشكلة الفقر، فاقمت في سنواتها الأخيرة تلك المشكلة رغم مساعيها المعلنة لمحاربة الفقر أو الحد منه، وعلى نحو ما تؤشر الوثائق الحكومية وتصريحات كبار المسؤولين فقد كانت هذه المساعي بمثابة جعجعة بلا طحن.

لقد بدا واضحاً أن أهم وأول الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة المزرية، وما تمثله من مضامين ونتائج خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي وضعتها وقررتها ونفذتها الحكومات السورية المتعاقبة، برهنت عجز السلطات عن القيام بخطط تنمية حقيقية وجدية، وكشفت عما يمكن تسميته بـخطط التنمية الشكلية بحسب نتائجها وهذا ما تم استخدامه تماماً عند وضع خطط تنمية المنطقة الشرقية التي تضم ديرالزور والحسكة والرقة، والتي تتشابه في كل شيء من البطالة والفقر وصولاً إلى الهجرة.

ففي هذه المحافظات التي يفترض أن تكون موضع اهتمام حكومي كمركّز يمثل خزان ثروات سورية من النفط والقمح والقطن والبشر، عجزت جميع الخطط التنموية المطبقة منذ بداية الستينيات عن تطوير هذه المنطقة، وحمايتها من السياسات الارتجالية والحلول الإسعافية، والتبدلات الطبيعية الطارئة التي تحججت بها الحكومات، والتي دفعت في الأعوام القليلة الماضية مئات الآلاف من السكان إلى هجرات داخلية وخارجية هرباً من الفقر والعوز وطلباً للعيش.

والأنكى أن الحكومة لم تقف عند هذا الحد بل طبقت السياسات المالية والضريبية لسكب الزيت على النار، حيث أدت الأولى إلى رفع معدلات التضخم، واتصفت الثانية بالجور على الفئات الاجتماعية الأدنى وبمحاباة الأغنياء.

فكانت النتيجة أكثر من وخيمة حيث ترافقت مع فتح المجال لعمليات نهب إمكانيات الدولة والمجتمع وشيوع السرقات والنهب، والتعدي على المال العام وأراضي الدولة، وقبض العمولات والرشى دون حسيب أو رقيب، إلى جانب هدر القدرات والطاقات وتدمير الإمكانات والفرص، وهجرة العقول العلمية والأكاديمية التي يمكن أن تساعد في النمو والتقدم المرسوم له حسب الحكومات نفسها، بالإضافة إلى تراجع دور الدولة والتقاعس الحكومي وخاصة في المجالات الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم اللذين تراجعت موازنتهما النسبية في العقود الأخيرة، فزادت موازنات وزارات أخرى لم نكن بحاجة لها كلياً، أو بالأحرى لا تعني لفقراء البلد بشيء والملفت إنه ترافق مع تدهور نظام الحماية الاجتماعية الذي يعني الفقراء والمعدمين أكثر من غيرهم، بعد اعتماد مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي في المؤتمر القطري العاشر.

إن ما يجب أن يفهمه كل مسؤول في الحكومة أن جميع المشكلات كانت قابلة للمعالجة، لو توفرت حينها الإرادة لذلك، وكان بالإمكان اتباع سياسات تستغل الموارد والقدرات بصورة حقيقية، وسياسات مناصرة للفقراء تتضمن تحقيق تنمية زراعية وريفية وتخصيص وتوليد فرص عمل ورفع إنتاجية العاملين، وتنفيذ سياسات مالية تتبنى أهدافاً تضخمية أقل، وإصلاح القطاع العام الصناعي والمالي والنظام الضريبي.. عندها كان يمكن القول إن ما يرسم ويخطط للمنطقة الشرقية كان يسير في الطريق الصحيح، ولكن هذا ما لم يكن.. فهل تفعلها حكومة الإصلاح، أم ستكون أسوأ من سابقاتها؟!.

المصدر:قاسيون السورية  -  أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري