أخبار الوطن الرئيسية

27/02/2011

 

لماذا قطعت الرياض علاقتها بجنبلاط ؟!

راجح الخوري

 

ليس المهم في حديث النائب وليد جنبلاط أنه كشف عن انقطاع العلاقة بينه وبين المملكة العربية السعودية، بل المهم هو سبر الاغوار السياسية في أسباب انقطاع هذه العلاقة. وهذا أمر يتجاوز موضوع الاستشارات وتشكيل الحكومات والانقلابات السياسية الاخيرة في لبنان، الى جوهر، أو بالاحرى، عمق الحقائق في مسألة معادلة "س. س" أي الجهود السعودية السورية، التي بُذلت على المستوى الشخصي بين خادم الحرمين الشريفين والرئيس بشار الاسد لحل الازمة اللبنانية المتفاقمة.
كان جنبلاط صريحا في حديثه الى برنامج "كلام الناس" والزميل مارسيل غانم، عندما كشف انه اتصل برئيس الاستخبارات العامة في المملكة العربية السعودية الامير مقرن بن عبد العزيز، عشية الاستشارات النيابية، وأبلغه نيته التصويت لمصلحة الرئيس نجيب ميقاتي، وأن الامير مقرن رد بأنه سينقل هذه الرسالة الى خادم الحرمين الشريفين، ثم عاد واتصل بالوزير غازي العريضي، وأبلغه ان العلاقة بين الملك عبد الله وجنبلاط قد انقطعت.


❒❒❒

هذه القصة وقد جاءت حرفيا على لسان جنبلاط تكشف أمرين مهمين جدا، يتصلان بالتطورات الحاسمة التي حصلت على المستوى المتصل أولا بمعادلة "س. س" وثانيا بمستوى التغيير الحكومي في لبنان.
❒ أولا: كان خادم الحرمين الشريفين يعرف ويتابع من مشفاه في أميركا، تفاصيل ما يجري في لبنان، سواء في ما يتصل بالجهود المشتركة مع الرئيس السوري، وسواء بما يجري من تحركات وتبدلات وضغوط صريحة تمارس على قوى نيابية في لبنان وفي مقدمها كتلة "اللقاء الديموقراطي" بهدف تغيير الاكثرية النيابية.
صحيح ان جنبلاط كثير الاستدارات السياسية وأنه يجريها عادة بسرعة تثير المفاجأة في الكثيرين وتثير "الغبار" ايضا.
ولكن استدارته لجهة التصويت للرئيس ميقاتي ورد فعل الملك عبد الله الحازم حيالها، كشف أمرا مهما جدا، وهو أن اعلان وزير الخارجية الامير سعود الفيصل عن رفع يد المملكة عن مبادرة "س. س" انما جاء نتيجة اقتناع الملك عبد الله بأن ما يجري في لبنان دفع حكومة الرئيس سعد الحريري الى الاستقالة وتغيير موازين القوى النيابية، لم يكن ليجري لو لم يلق تشجيعا من سوريا، بما يتناقض مع روح ومقاصد الحوار على مستوى القمة بين "س. س".
لقد قيل في بيروت على ألسن سياسيي 8 آذار ووسائلهم الاعلامية، إن سعد الحريري رفض الحل، وهو الذي ذهب الى أميركا وحرّض الاميركيين على إفشال هذا الحل الذي كان مدار بحث "س. س"، وأن العلاقة بينه وبين الرياض صارت تتجه الى السلبية والبرودة.
ولكن كلام جنبلاط يكشف الغطاء وإن بطريقة غير مباشرة، عن ان كل هذا إنما هو من بنات أفكار أهل 8 آذار، وأن توقف "س. س" ورفع اليد السعودية عنها، لم يكن نتيجة ممارسات سعد الحريري بل نتيجة الممارسات ضد سعد الحريري وبهدف إفشاله وإفشال تسوية "س. س" وبسكوت دمشق عن هذا إن لم يكن بتشجيع منها. ولهذا يجيء الكشف عن قطع علاقة الملك بجنبلاط بمثابة جزئية صغيرة وطبيعية بعد قطع علاقة السعودية بـ"س. س" وما جرى من تبديل المواقف في بيروت.


❒❒❒

❒ ثانيا: من خلال كل هذا يتبين أن سعد الحريري تجاوز فعلا صبر أيوب في الصمت والاحتمال، خلال الحملات المنظمة عليه، والتي وصلت الى حد اتهامه بالسعي الى التملص من مستلزمات مبادرة "س. س"، والتي لم تتوان عن اتهامه بأنه ذهب الى الاميركيين ليثيرهم ضد المبادرة المذكورة وحتى ضد خادم الحرمين الشريفين (وتصوروا!).
ومن خلال كل هذا يتبين انه كان حريصا أشد الحرص وأمينا الى أقصى الدرجات على الاحتفاظ سرا بكل تفاصيل ما يجري على سكة "س. س" وحتى أقرب المقربين منه لم يكن على علم بهذه التفاصيل.
على هذه القاعدة يثبت الآن ان سعد الحريري لم يتكلم حتى بعدما أنجز الانقلاب عليه عبر الضغوط والتهديدات الصريحة التي تناقض فعلا المقاصد المعترضة في "س. س" وحتى بعد رفع السعودية يدها. وحتى أنه حرص قبل مهرجان "البيال" على موافقة الرياض على أن يقوم بكشف تفاصيل "مشروع ورقة التفاهم" التي لا تشكل اتفاقا نهائيا كما يقال، بل منطلقا للعمل والاتفاق في المؤتمر العربي المقترح الذي أراد خادم الحرمين الشريفين عقده في الرياض بهدف انجاز مشروع المصالحة الوطنية والسلام في لبنان بالتعاون مع الرئيس الاسد، يستند في جوهره النهائي الى اتفاق الطائف، ويعالج القضايا الاساسية المختلف عليها ومنها موضوع المحكمة الدولية ومسار الحكم والعلاقات بين اللبنانيين.


❒❒❒

حديث جنبلاط ساعد فعلا في رفع الغطاء عن كل هذه الحقائق، لمجرد قوله ان الملك قطع العلاقة معه لانه اختار تسمية ميقاتي. فالملك لا يعادي جنبلاط "ابن أخيه" كما قال جنبلاط لو لم يكن موقف الاخير بمثابة القسم الظاهر من جبل الجليد داخل "س. س" الذي دفع الملك الى رفع يده.
هذه واحدة. أما الثانية فهي ان جنبلاط يعرف قبل غيره انه لم يشوش عليه أحد في السعودية، على الاقل لأن السعودية ليست مكانا صالحا للتشويش وهي التي ترصد وخصوصا في لبنان أدق التفاصيل وكذلك عند المتدخلين في شؤونه. كما ان جنبلاط يعرف ان قطع العلاقة ليس جدارا انهار ولا يمكن بناؤه من جديد، ولو بعد حين.

المصدر :صحيفة النهار اللبنانية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري