أخبار الوطناتصل بنا الرئيسية

29/12/2010

 

الجمع بين عملين.. نداءات في جدران مغلقة

 

 

في خضمّ صعوبة المعيشة، برزت ظاهرة عمل الموظف في عملين، كي يؤمّن دخلاً مقبولاً يساعد في سداد مصاريفه، وهناك جهات عامة كثيرة تمنع الجمع بين عملين، كان آخرها التعميم الذي صدر عن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والذي يقضي بمنع أيّ عامل في التلفزيون السوري من العمل باختصاصه نفسه في وسائل إعلاميّة خاصة، إلى جانب عمله في التلفزيون السوري.

محظورات
وفي مثال آخر، فإنّ المادة 11 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، يمنع الجمع بين المهنة وعمل آخر، سواء في القطاع العام أم الخاص، ويُستثنى من ذلك أساتذة الجامعات، والمحامون العاملون في الصحافة الحقوقية، والمحامون المكلفون من نقابة المحامين بالعمل في إدارة هذه النقابة ومنظماتها، كما تنصّ المادة 96 من قانون حقوق العمال وتنظيم العمل على أنّه يُحظر على الموظف العمل لمصلحة الغير، بما لا يتفق مع كرامة العمل، أو يمكّن الغير، أو يساعده في التعرّف إلى أسرار المنشأة أو منافسة صاحب العمل.


للمحامين نصيب من المنع
مع انخفاض مستوى الدخل لدى المحامي في سورية، ومع ازدياد أعداد المحامين في القطر، حيث تجاوز عددهم الآلاف، اضطرّ بعض المحامين إلى ممارسة عمل آخر مع مهنة المحاماة، على الرغم من حظر نقابة المحامين، فمنهم من يعمل في التجارة، ومنهم من يعمل في شركات خاصة لا تتطلّب ترقين قيد المحامي من جدول المحامين. فعندما يتقدّم المحامي لقيد اسمه في جدول المحامين لدى النقابة يوقّع تعهداً على نفسه يتعّهد فيه بعدم ممارسة أيّ مهنة أخرى تتعارض مع مهنة المحاماة، وبالرغم من ذلك هو مضطر إلى أن يجد عملاً آخر لكي يستطيع على الأقل دفع ضريبة الدخل المكلّف بها من قبل المالية التي غالباً ما تقدّر بشكل جزافي، فيجد نفسه مضطراً إلى أن يجد عملاً آخر سواء في التجارة أم الصناعة... فما يتقاضاه المحامي من النقابة ضئيل جداً، بسبب ازدياد أعداد المحامين، وبعضهم مقيم خارج القطر، ويتقاضى مثل ما يتقاضاه الممارس من رسوم كالتعاون والإسعاف...، وما إلى ذلك، فالحلّ الوحيد بالنسبة إليه هو البحث عن عمل آخر لكي يؤمّن قوته.


حديث الشارع
تكتسح الشارع السوري ظاهرة باتت سمة من سمات السوريين، ألا و هي ازدواجية العمل، أو لجوء المواطن، سواءً أكان موظفاً في القطاع العام أم الخاص أم يعمل عملاً حرّاً، إلى عملين، وأحيانا أكثر، كي يستطيع تأمين ما يسدّ الرمق جرّاء ارتفاع الأسعار الجنوني الذي شمل معظم المواد.
ن.أ.. موظف في الثلاثين من العمر، يعمل في إحدى المديريات العامة، أجبرته صعوبة المعيشة وتدنّي راتبه الوظيفي على الجوء إلى عمل آخر، حيث تقدّم بقرض ليفتح محلاً للأجهزة الكهربائية، لم يلبث بعد فترة قصيرة أن أغلقه بسبب عدم وجود زبائن لضعف القوة الشرائية لديهم، ورغم أنّ له خدمة عشر سنوات في وظيفته، فإنّ راتبه لا يتعدّى الـ 13 ألف ل.س، حيث يقول: أُجبرت على التفكير في عمل ثانٍ بعد الوظيفة، لأنّ الراتب قليل، ولا يكفي، خصوصاً بعد زواجي، وفي الفترة التي عملت فيها عملاً ثانياً كنت أصاب بالإرهاق الجسدي والفكري، إضافةً إلى انشغالي عن العائلة بالعمل، فضلاً عن تأثير عملي الآخر على حياتي الاجتماعية.
في حين يقول ب .خ، وهو يعمل في أحد المطاعم نهاراً، وسائق تاكسي في الليل، إنّ العمل يأخذ كلّ وقته وأنّه لو اقتصر دخله على عمل المطعم فإنّه لن يعيش بالحد الأدنى حتى، قائلاً: أنا شاب في مقتبل العمر إن لم أعمل الآن في شبابي فمتى سأعمل؟ بحثت عن عمل في القطاع العام، ولم أفلح، والفرص في القطاع الخاص لم تكن متوافرة، لذلك اضطر إلى العمل في عملين مختلفين صباحاً ومساءً.

مختصون بالعمل

قال مدير قاعدة بيانات العمل والتشغيل التابع لبرنامج الأمم المتحدة، كنان بهنسي، بحسب الإحصاءات المتعلّقة بوجود عمل إضافي للأشخاص، فقد بلغت 3ـ 5 % ممّن يعملون عملاً ثانياً، طبعاً سيستغرب الكثيرون هذه النسبة، وأنا أقول لهم إنّها ليست كاملة أو دقيقة مئة في المئة، بسبب أنّ الأكثرية لا يصرّحون بأنّ لديهم عملاً آخر، لأنّ نسبة ليست قليلة منهم هم موظفون في القطاع العام.
أمّا بالنسبة إلى أهمّ أسباب لجوء المواطن إلى عمل ثانٍ، فهو الدخل لأنّنا اليوم نتكلم عن متوسط دخل بلغ ـ بحسب الإحصاءات ـ 11 ألف ل.س والسؤال: هل هذا الدخل يكفي لسدّ الحاجات؟ ومن الأسباب الأخرى أيضاً قصور العمل في القطاع العام، من حيث عدم وجود حافز أو خبرة، وذلك ما يجعل الشباب يتّجهون إلى القطاع الخاص، رغبةً في الحوافز المادية واكتساب الخبرة، ولكن يتمّ تفضيل القطاع العام في الوقت ذاته بسبب الحاجة إلى الشعور بالأمان والاستقرار، حيث هناك فكرة سائدة بأنّ الموظف في القطاع العام أضمن ممّن يعمل في القطاع الخاص لجهة القوانين والتقاعد...الخ.. إلى درجة أنّ هناك فكرة سادت، ألا وهي أنّ الشخص يقول: إن لم أكن أعمل في القطاع العام فأنا لا أعمل وإن كان لديه عمل في القطاع الخاص. لحلّ مشكلة العمل والعمالة والعمل في عملين، فنحن نشجع على فكرة ريادة الأعمال، والتي تعني أن يقوم الشاب بابتكار فكرة عمل وخلق فرصة عمل للغير أيضاً، ونقصد بهم أشخاصاً يستطعيون تحقيق دخول صغيرة، لكنّهم يخافون المخاطرة. وأضاف بهنسي قائلاً: هناك جهات عدة تساعد في تقديم وخلق فرص عمل، مثل هيئة التشغيل وتنمية المشروعات، التي تساعد في إعطاء القروض، إضافةً إلى الجمعيات الأهلية، كمشروع بداية، حيث يتمّ إعطاء منح لمشاريع صغيرة.
وبالعودة بالحديث عن العمل، يوضح بهنسي أنّ العمل النموذجي، بحسب التوصيات الدولية، وقانون العمل السوري لا يتجاوز 40 ساعة في الأسبوع، وكل ما يزيد على المدة المذكورة يُعدّ عملاً آخر، باستثناء من يعمل في أعمال لا يستطيع تقدير عدد ساعات العمل فيها؛ كالزراعة وغيرها.

اقتصادي بحت
قال الخبير في مجال العمل الدولي، الدكتور رشيد رشيد: إنّ السبب الرئيسي للجوء العامل، سواء في القطاع العام أم الخاص، إلى عمل آخر، إضافة إلى عمله الأساسي، سببٌ اقتصادي بحت، فمستوى دخل الموظف، أو العامل لدى القطاع الخاص والعام منخفض، ولا يتناسب مطلقاً مع ارتفاع تكلفة المعيشة وجنون الأسعار الذي تشهده أسواقنا. أمّا فيما يتعلق بالسلبيات، التي يمكن أن تنعكس عن لجوء المواطن إلى عملين أو وظيفتين، أوضح الخبير أنّ أول هذه السلبيات عدم تركيز المواطن ـ موظفاً كان أم عاملاً في القطاع الخاص ـ على عمل واحد ليبدع فيه، فكيف للمعلم الذي يعمل سائق تاكسي بعد الدوام المدرسي، على سبيل المثال، أن يحضّر الدروس التي سيعطيها في اليوم التالي، بالإضافة إلى الآثار السلبية على صحة الموظف وعلى اهتمامه بأولاده وأسرته، كما أن لجوءه إلى عمل أو وظيفة أخرى سيزيد من نسبة البطالة، كونه سيقلّل من فرصة الحصول على عمل لمن لا عمل له أصلاً.
فيما يتعلق بالنصائح، أو التوصيات التي يمكن من خلالها الحدّ من هذه الظاهرة، في الواقع أمام الازدياد المهم لعدد السكان في سورية، فإننا نرى من الضروري رفع مستوى دخل الفرد بما يتناسب مع إنفاقه الفعلي، ولا بدّ من التذكير بضرورة تدخل الدولة للحدّ من جنون الأسعار في ظلّ سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي التي تعيشها سورية حالياً، كون السبب الرئيسي لهذه الظاهرة اقتصادي بحت كما ذكرنا.

المصدر:بلدنا السورية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري