أخبار الوطناتصل بنا الرئيسية

28/06/2010

 

حكايا عن جمعيات سكنية تاجرت بأحلام المواطنين ونصبت عليهم بعشرات الملايين

 

 

‮الحلم ليس أكثر من مساحةٍ صغيرةٍ بحثَ عنها الكثيرون، لتكون فسحة أمل في هذه الحياة.. وهم أشخاص سعوا بداية حياتهم لتأمين منزل بسيط يكون ملاذهم من طمع الدنيا وجنون العقارات، وسترٌ لهم ولأولادهم من بعدهم.. ولكن - من أسف - تبقى الأحلام مجرّد محاولةٍ دفعَ ثمنها المواطنون ممّا جنوه خلال حياتهم، لينتهي مصيرهم إلى جمعية احتالت عليهم أو على أصدقائهم، ومن ثمّ صفعة لن ينسوها أبداً.. ضاعت «تحويشة العمر»، فلم يبقَ في اليد حيلة سوى إعادة الكرة من جديد، لعلّ القادم من الأيام ينصفهم بمأوى صغير يستر آخر أيام العمر.

الآلاف من المواطنين حاولوا أن يصلوا بشتّى الطرق إلى اقتناء شقة صغيرة في أطراف دمشق، ومن ثمّ تكوين عائلة صغيرة، لكنّهم وجدوا الجمعيات السكنية تتربّص بهم، والنتيجة لا مال ولا بيت، و«العوض على الله».. فبعض الجمعيات السكنية في سورية حقّقت أحلام الكثير من الناس «الدراويش»، لكنّ قسماً آخر منها كان النصب والاحتيال شعاره، فالصالح ضاع مع الطالح، ليوصف الوضع الحالي اليوم بالداء الذي استشرى، ولم يتوقف.. ولكن، إلى متى؟.. تصنف دمشق من بين أوّل ثماني مدنٍ في العالم في ارتفاع العقارات، وشقّة في المالكي تعادل أكثر من 200 مليون، وشقة في كفرسوسة تعادل 90 مليون ليرة، وشقة في المزة تباع بأكثر من 30 مليون ليرة، وشقة بسيطة في العدوي تباع بـ 10 ملايين ليرة، وفي المناطق العشوائية لا يوجد منزل بأقلّ من مليون ليرة، فأين الملاذ؟، ألا يفتح ذلك الباب على مصراعيه لأصحاب الجمعيات وغيرهم لاستغلال المواطن والاحتيال عليه؟.. هذه الظاهرة تتكرر بأشكال مختلفة، وبطرق احتيال متنوعة، وباتت أمراً غير مستغرب في ظلّ غياب قانون متطوّر للتعاون السكني، على الرغم من تعديله، وقانون ينظّم الاستثمار العقاري، ولكن إلى أن يتمّ الإفراج عن هذه القوانين، هل يبقى المواطن رهينة ضعاف النفوس؟، ومن يعيد له حقوقه المسلوبة في مثل هذه الجمعيات؟، الأزمة مستمرّة، وطرق الاحتيال متنوّعة.. وأسهلها تأسيس جمعية سكنية، مع غياب حلول الجهات المعنية لتأمين المسكن المناسب للمواطنين.

تنشر وسائل الإعلام بين حين وآخر عن جمعية هنا، ورئيس مجلس إدارة هناك، اختلسوا أموالاً تعود إلى مستكتبين في جمعيات سكنية، فجمعية الشهاب للسكن والاصطياف، مثال جديد عن واقع الجمعيات، اختلس صاحبها السابق الملايين من الليرات، وتمّ القبض عليه، فيما بقي معاونوه يسرحون ويمرحون.. المهندس راغب مكحل، رئيس مجلس إدارة جمعية الشهاب الحالي، يروي قصة الاحتيال، التي نفذها رئيس المجلس السابق المدعو (أ.إ)، بالقول: «رئيس مجلس الجمعية السابق وشركاؤه (أمين السر م.س، وأمينة الصندوق ن.س)، أخفوا كافة الوثائق المتعلقة بالجمعية لطمس معالم النصب والاحتيال، الذي تضرر جراءه مواطنون دفعوا كلّ ما يملكون للحصول على شقة أحلامهم، فالمدعو (أ. إ) احتال بطريقة ذكية على الناس، إذ أسّس الجمعية في العام 2007، وبدأ الناس بالتسجيل على أساس مخطّط أرض لبيت عربي في مشروع دمر بمساحة 126 متراً، ومن ثمّ أصدر ورقة «طابو»، وسجل الأرض على اعتبار أنها أرض خاصة بالجمعية، ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى وسيلة أخرى للاحتيال على الناس من خلال عقود مزورة لأراضٍ أخرى كانت بحوزته، وعليها أسماء مزورة، إضافة إلى أسماء أصحاب الأراضي هذه، دون علمهم بذلك، وبهذه الأوراق أخذ يقنع المواطنين بجدية عمل الجمعية لتأمين مسكن لهم، من خلال العقود والمخططات، وبعد ذلك بدأت عملية الاحتيال وتجميع الأموال الطائلة من الناس، إضافة إلى أساليب أخرى احتال بها..
ليس ما سبق ذكره هو القضية، يتابع مكحل: «بلغت حصيلة ما جمعه (أ.إ) 119 مليون ل.س، وتمّ توقيفه في السجن، بينما فرّ أمين السر، وأمين الصندوق..»، وهذا ما أكّده المحامي صالح عيسى، رئيس المكتب التنفيذي للاتحاد التعاوني السكني في دمشق، بقوله: «فوجئنا في العام 2008، بعد تأسيس الجمعية بالقرار رقم 140، تاريخ 14/3/2007 الصادر عن السيد وزير الإسكان، بعام واحد، بارتكاب مجلس الإدارة أخطاء أدت إلى حدوث بلبلة وتشويش على القطاع بشكل عام، فمجلس الإدراة قام بعمليات اكتتاب على مشاريع شبه وهمية، إذ تبيّن، بعد أن تقدّم أحد الأعضاء إلى فرع الأمن الجنائي في دمشق بادعاء على (أ. إ )، أن هناك تلاعباً واختلاساً للأموال، وإثر ذلك تمّ إلقاء القبض عليه، وإحالته فيما بعد إلى محكمة الجنايات بتهمة اختلاس الأموال العامة، وتبيّن أنّ المبلغ المتّهم به، وفق قرار الحجز الاحتياطي آنذاك، ستّة وخمسون مليوناً وأربعمئة واثنان وخمسون ألفاً وثمانمئة وسبعون ليرة سورية، وتمّت إحالة الموضوع برمّته إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لكنّ قراراً بتعديل المبلغ صدر بتاريخ 9/5/2010، وفق قرار تعديل الحجز الاحتياطي رقم 1652/و، الصادر عن وزير المالية، الدكتور محمد الحسين، والمتضمّن إلقاء الحجز الاحتياطي على الاموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى (أ. إ ) وأميني السر والصندوق، فأصبح مئة وسبعة عشر مليوناً وسبعمئة وثمانية وتسعين ألفاً وخمسمئة وإحدى وثمانين ليرة سورية مع فوائدها القانونية، إضافة إلى ما سيظهر لجهة الادعاء الشخصي من مبالغ مختلسة أخرى على الأشخاص أنفسهم».
جمعية الشهاب ليست الوحيدة في عملية النصب، التي نفذها رئيسها السابق، وإنما هناك جمعية الوحدة العربية المتوقّفة عن العمل منذ العام 2004، وبقاء بعض مشاريعها على الهيكل، وعدم وجود رئيس مجلس إدارة، بعد إقالة رئيس مجلسها السابق (ع . ط) وتشكيل عدّة مجالس مؤقتة منذ العام 2005، الدكتور مروان حلاق، العضو المخصص في جمعية الوحدة العربية، يؤكد أنّ الجمعية، التي تضمّ 3 مشاريع في مشروع دمر والزبداني وضاحية قدسيا متوقّفة عن العمل، رغم تشكيل مجلس إدارة جديد مؤقت، لكنّه لا يملك صلاحيات، مضيفاً: «سجّلت في جمعية الوحدة العربية في مشروع دمر، وسدّدت مبلغ 215000 ل.س، ورئيس المجلس السابق تمّت إحالته إلى الرقابة والتفتيش، بعد أن تقدّمنا بشكوى إلى نائب رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش السابق، توفيق محمد، إذ صدر تقرير أولي تفتيشي عن بناء مشروع دمر، وبحسب التقرير، كانت النتيجة نقصاً في الصندوق بقيمة عشرة ملايين ومئتي ألف ليرة، والمسؤول عن ذلك (ع . ط)، ورغم استبداله وتشكيل مجلس جديد، إلا أنّه لا يزال يتابع أعمال الجمعية من الداخل، وفي مشروع ضاحية قدسيا لديه بناء يبيع فيه كما يشاء، وبسعر 32 ألف للمتر، وهذا مخالف على اعتبار أنّ الجمعية قطاع عام، وفيها مشتركون، فكيف يبيع «الله أعلم»، ويتساءل الدكتور حلاق: لِمَ لا يحاسبه أحد؟، ولِمَ يتمّ التستر عليه؟، ولا نعرف لمصلحة من تدور الأحداث، ومن المستفيد معه، ومن ثمّ لماذا السكوت عنه، فثمّة أناس كثيرون تضرّروا وتأثروا مادياً بضياع أموالهم.
اختلاس أموال المواطنين المستكتبين في بعض الجمعيات، حكاية لا تنتهي، والأدلة كثيرة على ما يعانيه القطاع التعاوني من إهمال وتقصير يذهب ضحيّته المواطن وحده، ويبقى «حديدان وحده في الميدان» يصارع في سبيل عودة شقاء العمر، فمحمد عامر البوش، المسكتتب في جمعية الشهاب، و4 آخرون من عائلته، ضاع حلمهم، ومعهم الكثيرون ممّن يتعلقون بأيّ أمل يعيد إليهم ما دفعوه للجمعية على مبدأ (الغريق بيتعلّق بقشّة)، فحصيلة ما دفعوه (أكثر من مليوني ليرة) أثقل كاهلهم، ولا سيّما أنّ المبلغ، في معظمه، كان ديناً من الأقارب والأصدقاء، ولا يهمّ محمد عامر إذا كان رئيس مجلس الجمعية في السجن أو خارجه، ما يهمّه الحصول على شقته أو عودة ما سدّده للجمعية، مستغرباً ما وصل إليه حال الجمعيات السكنية في سورية، وانعدام ثقة المواطن بها.
في حين أنّ مصدّراً مطلعاً على خفايا قضية جمعية الوحدة العربية أكّد أنّ رئيس المجلس السابق أخفى كافّة الثبوتيات والوثائق المتعلقة بالجمعية، وهذا في قانون الاتحاد السكني يعدّ مخالفة، حيث إنّ الشخص، الذي لا يسلم الثبوتيات ومحاضر الاجتماعات وأسماء المستفيدين من المشروع، يعاقب على ذلك قانونياً، وبحسب المصدر، فإنّه تمّ التحقيق مع رئيس مجلس إدارة الوحدة العربية السابق منذ عشر سنوات من قبل الرقابة والتفتيش، وأكد التقرير التفتيشي مسؤوليّته عن فقدان عشرة ملايين ومئتي ألف ليرة عن مشروع دمر، ومع ذلك بقي دون محاسبة، وحتى تاريخه لا تزال الأوراق الثبوتية والوثائق بحوزته، وفي ذلك يؤكّد رئيس المكتب التنفيذي للاتحاد التعاوني السكني في دمشق أنّ الوثائق موجودة في مقرّ الجمعية، وفي الاتحاد توجد إضبارة خاصة، وفي حال التأكد من عدم وجودها، فإنّ ذلك يتبيّن مع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وليس من اختصاص الاتحاد ذلك». وبالعودة إلى المصدر يحضر إلى الذهن تساؤل عن دور الاتحاد السكني في ذلك، ولِمَ لم يطالب بمحاضر الاجتماع، فلا يوجد أيّ محضر اجتماع للجمعية لدى الاتحاد، وهناك مئات الناس المتضررين، لكنّهم على أرض الواقع (الاتحاد السكني) يجدون تبريرات ومخارج وحجج كثيرة، يذهب ضحيتها في النهاية المواطن الذي يبقى همّه الحصول على مسكن، ولكن - من أسف -هناك ضعاف نفوس يجدون من يساندهم من أصحاب المسؤولية والقرار.
وفي ظلّ تطور الأحداث على هذا النحو، يخرج من يقول إنّ بعض الجمعيات السكنية، بل أكثرها، تحوّل إلى ما يشبه مؤسسات لجمع الأموال والنصب على المواطن لتخرج عن غاياتها وأهدافها التي أسست من أجلها، ويذهب بعضهم إلى القول إنّها أسهمت في ارتفاع أسعار العقارات، وعملت على إضعاف الاقتصاد الوطني، وأساءت إليه، وقضت على أحلام الكثير من ذوي الدخل المحدود في الحصول على مسكن لائق، والبقاء على هذا الحال يشرّع الأبواب أمام ازدياد المحتالين، وفي هذا الوضع من الأفضل أن نلغي قطاع التعاون السكني، لأنّه عندئذ يكون غير جدير بالبقاء، لانتفاء الغرض الإيجابي الذي وجد من أجله، وفي ظلّ ذلك من حقّنا طرح سؤال عن حجم الخسائر الاقتصادية جرّاء عمليات النصب والاحتيال في هذه الجمعيات السكنية؟

المصدر:صحيفة بلدنا السورية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري