أخبار الوطناتصل بنا الرئيسية

04/06/2010

 

غياب الاستثمار الزراعي عن خارطة الاستثمارات

 

 

تمرُّ سورية بمرحلة مهمة جداً، وأصبح موضوع الاستثمار، اليوم، حديث الشارع والشغل الشاغل لنشرات الأخبار المحلية.. المسؤولون والأشخاص الاعتباريون، أصبحوا يتنافسون على عقد الاتفاقيات وتوقيع مذكرات التفاهم والاجتماع مع نظرائهم من الدول العربية والأجنبية، لجذب المستثمرين ولقيام المشاريع الاستثمارية في سورية؛ من الصناعة والعقارات والمصارف، إلى التجارة، لتصل إلى السياحة.. والأمر الذي يدعو إلى التساؤل، هو غياب عنصر مهمّ وقطاع غاية في الأهمية، ألا وهو قطاع الزراعة، فلماذا؟.
حسبنا أنَّ سورية بلد زراعي من الدرجة الأولى، فأين الاستثمار الزراعي؟ ولماذا لا نرى سوى اجتماعات زراعية على مستوى اتحاد الفلاحين في نشرة أخبار الساعة السادسة؟ هل تحوَّلت أراضي سورية الخضراء إلى صحراء قاحلة لا تنفع سوى للرعي، أم أنَّ المستثمر العربي لم يرَ من سورية سوى صناعة وسياحة وبناء ومصارف؟، هل مقولة بعض المسؤولين في وزارة الزراعة بأنه لايوجد في سورية استثمار زراعي، وأنه تحوَّل إلى استثمار صناعي زراعي، حقيقة صحيحة؟..
حتى إذا سلَّمنا بوجود استثمار صناعي- زراعي في سورية، فسنلاحظ أيضاً عدم وجود آلات زراعية سورية؛ فالآلات الزراعية حالها حال أيِّ آلة موجودة في سورية؛ مستوردة من الخارج.. هل وصل بنا العجز حتى إلى تصنيع آلات زراعية، أم أنَّ السبب هو عدم الثقة بالمنتج المحلي سواء في الأسواق الداخلية أم الخارجية؟..

معوقات
وصف تقرير لمركز الدراسات الاقتصادي السوري، المشكلة في قطاع الاستثمار الزراعي، وعزا هذا الواقع السيِّئ إلى قصر دورة مال القطاعات الأخرى إذا ما تمَّت مقارنتها بدورة رأسمال أيِّ مشروع استثمار زراعي قد تحتاج من 6إلى 8 سنوات، إضافة إلى عدم توافر الأراضي الزراعية الصالحة للاستثمار، واصطدام المستثمر بالواقع وتعارض أفكاره مع الواقع الموجود والعدول عن الفكرة.
الدكتور مجد أيوب، مدير الاقتصاد والاستثمار في وزارة الزراعة، رأى أنَّ: «المعوقات الأساسية التي تعترض طريق المستثمر تكمن في عدم توافر الأراضي الزراعية القابلة للزراعة، والتي يمكن للمستثمر أن يستفيد منها، وأنا أقصد الاستثمار الزراعي الخام، وليس الاستثمار الصناعي الزراعي».. ويضيف: «أيُّ مشروع استثمار زراعي ذو جدوى اقتصادية جيدة، يحتاج إلى 10-30 ألف هكتار، وإن وجدت هذه الأراضي فقد تكون بحاجة إلى الاستصلاح، وهذا طبعاً سيزيد من عبء التكاليف على المستثمر»..
وبيَّن أيوب أنَّ: «السبب الثاني لعدم وجود استثمار زراعي، هو الأنظمة والقوانين الداخلية الزراعية التي توجِّه العملية الزراعية بما يتلاءم مع الواقع الزراعي.. مثلاً، إذا أراد المستثمر أن يقيم مشروعه في أراضٍ على ضفاف الفرات، وتمَّ الاتفاق مع مالكي الأرض، وكانت خطته أو مشروعه زراعة أشجار، فالقانون لايسمح له بذلك، على اعتبار أنَّ المنطقة محضَّرة فقط لزراعة المحاصيل، وليس للأشجار.. وهذا ما يشكِّل صعوبة أخرى في وجه المستثمر؛ من خلال عدم تناسب أفكاره مع الأنظمة والقوانين».. وأوضح أيوب: «المشكلة الأخرى في العامل المالي، وهي نسبة الربح في المشروع الزراعي، والفترة الزمنية التي يحتاج إليها.. عادة المشاريع الزراعية اقتصادياً تحتاج من 5 إلى 8 سنوات لاستراداد رأس المال وجني الأرباح، أما الاستثمار في القطاعات الأخرى، مثل السياحة أو التجارة أو حتى الاستثمار الصناعي الزراعي، فدورة رأس المال فيه وجيزة، ويعطي للمستثمر مردوداً جيداً وسريعاً.. من جهة أخرى، هيئة الاستثمار تعتبر أنَّ أيَّ مشروع فيه شقّ صناعي، ولو كان صغيراً، هو مشروع صناعي، وليس زراعياً».
يوافقه الرأي الدكتور بهاء الرهبان (خبير زراعي)؛ في أنَّ أحد الأسباب المهمة والأساسية في عدم وجود استثمار زراعي حقيقي، هو صغر وتشتُّت الملكيات الزراعية، فحاجة المستثمر إلى آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية لاستكمال مشروعه، لاتتناسب مع المساحات الموجودة التي تعدُّ غير كافية.. والسبب الآخر، أو المشكلة الأخرى، هي عدم توافر مشاريع ري كافية، وارتفاع تكاليف أساليب الري، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الزراعية الأساسية (بذور- أسمدة- مبيدات)، وهذا يزيد التكاليف على المستثمر، وبالتالي هناك عدم جدوى اقتصادية من هذا المشروع.
ويضيف الرهبان: «توجد أمام المستثمر عقبة أخرى ومهمة، وهي عدم توافر الآلات الزراعية أو المكننة الزراعية، وفي حال التفكير في استبدالها بالأيدي العاملة، فهذا سيكلِّف المستثمر أضعاف المبلغ.. ارتفاع تكاليف الإنتاج له أسباب كثيرة، مثل ارتفاع أسعار المواد الزراعية، فالمبالغ التي ينفقها المستثمر لن تعود إليه عند بيع المحصول، بسبب ارتفاع أسعار المادة الزراعية، وبالتالي قلة الطلب عليها في الأسواق، إضافة إلى مشكلة المناخ والظروف الجوية في سورية التي تميل إلى الجفاف، وتذبذب المواسم الزراعية باختلاف الظروف الجوية، وأخيراً تذبذب أسعار المواد الزراعية نتيجة عدم التزام المستثمرين أو المزارعين بالخطة الموضوعة من قبل الحكومة، فإذا ما ربحت زراعة محصول البطاطا مثلاً في هذه السنة، سنرى في السنة التالية كساداً في هذا المحصول؛ نتيجة اتجاه كافة المزارعين إلى زراعتها».
من جهة أخرى، يرى ناهي الشيباني (خبير زراعي) أنَّ: «المعوقات تكمن في التسويق، فلا يوجد لدينا وسائل تسويق على مستوى جيد ليواكب منتجنا منتجات الدول الأجنبية أو المنافسة التي تتوجَّه الآن إلى المنتجات المصنَّعة ونصف المصنعة، والتي لم نتعمَّق فيها بشكل جيد إلى الآن، إضافة إلى تكديس الإنتاج الفائض.. ومن جهة ثانية، دورة المشاريع الزراعية بطيئة، لذلك يتوجَّه المستثمر مباشرة إلى الاستثمارات الصناعية أو التجارية أو السياحية».
السياحية ».



دعم حكومي
أما بالنسبة إلى دور وزارة الزراعة ومكانها في هذا الوضع وإجراءاتها لتحسينه، فيقول الدكتور مجد أيوب: «نحن- وزارة الزراعة- وضعنا الخارطة الاستثمارية الزراعية التي ستكون دليلاً للمستثمر، متضمِّنة مجموعة من المشاريع الزراعية المنتشرة في كافة المحافظات السورية، وبلغ عدد المشاريع المقترحة 122 مشروعاً تحت 52 عنواناً لمشاريع زراعية على مستوى القطر، تتعلَّق بالإنتاج النباتي والحيواني والصناعات الزراعية ومعامل الأعلاف، وصناعة الأدوية البيطرية، ومشاريع التسويق الزراعي، ومراكز تعبئة الحليب وتصنيعه، ومزارع الأسمدة، ومعاصر الزيتون، وتسويق الأزهار، وتربية النحل، إضافة إلى المشاريع السياحية البيئية ومعمل الكونسروة.. هذه المشاريع دُرِست مع الأسر الزراعية (المجلس الزراعي في المحافظة- مديرية الزراعة- كافة الجهات ذات الصلة بالعمل الزراعي)، وبعد أن وُضعت الدراسات والمقترحات، أقرَّت الوزارة 122 مشروعاً، والهدف من هذه المشاريع، هو دعم المحافظات الزراعية من خلال الاستفادة من المشاريع المقامة فيها، وإمكانية استثمار الثروات الموجودة في هذا المشروع، وتحقيق عائد وربح جيد للمستثمر، وطبعاً هذه المشاريع ليست زراعية 100 %، وإنما هي مشاريع زراعية صناعية، وهذا لايعني أننا لا نستقبل سوى هذه المشاريع المقترحة، بل نحن مستعدُّون لتنفيذ أيِّ مشروع استثماري زراعي مستوفٍ الشروط وغير مخالف للأنظمة والقوانين السورية».
أما ناهي الشيباني، فيرى أنَّ الاستثمار الزراعي مازال في مرحلته الأولى؛ فبما أنَّ الاستثمار الصناعي انطلق بقوة في سورية، وهو غالباً ما يعتمد في مواده الأولية على مواد زراعية (كونسروة- ألبان..)، فهذا سيؤدِّي بالضرورة إلى زيادة الطلب على المحاصيل الزراعية، ما سيشجِّع المستثمرين على القيام بمشاريع زراعية، على اعتبار أنها ستكون مشاريع رابحة ومجدية اقتصادياً.


6-8 سنوات دورة رأس المال في أي مشروع زراعي حقيقي

122 مشروعاً زراعياً مقترحاً تحت 52 عنواناً لمشاريع زراعية من قبل وزارة الزراعة




عجز عن التصنيع
كما ذكر التقرير الصادر عن مركز الدراسات الاقتصادي السوري، أنَّ المشاريع المنفَّذة في قطاع الزراعة مثل (مزارع الأبقار، معامل الألبان، شركات تجفيف الخضار والفواكه، وغيرها) حوَّلت هذا القطاع إلى قطاع خضار وفواكه وألبان، والأمر الغريب أنه لا توجد أيُّ دراسة عن إمكانية تصنيع آلات زراعية ومعدات حديثة بدلاً من الاستمرار في استيرادها من الخارج، ولا توجد أيُّ فكرة حول إقامة مصنع لتصنيع تكنولوجيا زراعية لتحسين المحصول أو الأرض، أو حتى لاكتشاف أنواع جديدة من الزراعة.
في هذا الخصوص، يقول د. أيوب: «كان لدينا المؤسسة العامة للمكننة الزراعية، وتمَّ حلُّها وتوزيع مراكزها وأراضيها على المستثمرين والمزارعين، وحاولت هذه المؤسسة أن تصنع آلات زراعية، ولكنها توقَّفت بسبب القيمة المرتفعة للمعدن اللازم للآليات الزراعية، وعدم توافر المواد الأولية المناسبة؛ فالمواد الأولية لهذه الآليات غير متوافرة في سورية وغير معروفة من قِبلنا، إضافة إلى أنَّ هذا الموضوع يحتاج إلى بحث طويل من قبل وزارة الصناعة أولاً، ومن ثم الزراعة».
من جهته، يرى د. الرهبان أنَّ: «تصنيع الآليات الزراعية في سورية يحتاج إلى دعم حكومي، فمصنع الجرارات أُحدث بقرار حكومي، وأصبحت الجرارات متوافرة، فعندما تقدِّم الحكومة دعمها وتسهيلاتها، سيأتي المستثمر للقيام بمشاريع رابحة في سورية، وفي النهاية، هذا الموضوع متعلِّق بأنظمة وقوانين محلية، إضافة إلى أنَّ التصنيع المحلي في أغلب الأحيان ليست لديه أسواق خارجية».
أخذ الموضوع الاتجاه نفسه بالنسبة إلى ناهي الشيباني، حيث أكَّد على ضرورة وجود آلات زراعية ذات صنع محلي، أو على الأقل ملحقات أو قطع تبديل لهذه الآلات, ولكن الموضوع يحتاج إلى دعم حكومي.
أخيراً، نتمنَّى أن يحذو الاستثمار الزراعي حذو الصناعي والسياحي والمصرفي، بوجود الفرص الحقيقية والإرادة القوية، وهذا كله يتوافر من خلال اهتمام الحكومة ودعمها الحقيقي لهذا القطاع.

المصدر:صحيفة بلدنا السورية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوري